حسن الأمين
222
مستدركات أعيان الشيعة
البارئ تعالى عن كونه جسما كالأجسام ، أما التجسيم الذي قال به هشام فهو « التجسيم اللفظي » ومن جهة العبارة ، والمراد به إطلاق اسم « الجسم » فقط عليه تعالى . وقد يستفاد ذلك من تعبير الشيخ المفيد : إن هشاما خالف « بالقول في الجسم » لا إنه خالف « في القول بالجسم » الذي هو مذهب المجسمة . والحاصل أن المفيد ينسب بهذه العبارة إلى هشام قولا قاله في « الجسم » واصطلاحا خاصا به في تفسير الجسم ، أطلقه بذلك على البارئ ، مخالفا لجميع الطائفة في هذا ، لا أنه قال بالجسم . وإلا لكان كلام المفيد متناقضا صدرا وذيلا . ويؤيد ما ذكرناه أن المفيد قال في مقام آخر : كان هشام بن الحكم شيعيا ، وإن خالف الشيعة - كافة - في أسماء الله تعالى ( 1 ) حيث يحصر مخالفة هشام في موضوع الأسماء ، والمعروف هو خلافه في « الجسم » هل يسمى به البارئ أولا ؟ 2 - وقال الشريف المرتضى : فالظاهر من الحكاية عنه القول ب « جسم لا كالأجسام » ولا خلاف في أن هذا القول ليس بتشبيه ، ولا ناقض لأصل ، ولا معترض على فرع ، وأنه غلط في عبارة ، يرجع في إثباتها ونفيها إلى اللغة ( 2 ) وواضح أن الشريف جعل المقولة من باب إطلاق لفظ « جسم » على البارئ باعتبار تفسيره بغير ما هو في اللغة ، وجعل المسألة لغوية ، وهذا كاف في إخراج البحث فيها عن علم الكلام . مضافا إلى أن نفي كونها تشبيها ، أو ناقضة لأصل ، يدل بوضوح على عدم كونها دالة على اعتقاد التجسيم ، وإلا كانت متناقضة لأصل التوحيد . 3 - وقال القاضي الإيجي ، والسيد الشريف ، في المواقف ، وشرحه : ( إنه تعالى ليس ب « جسم » ) وهو مذهب أهل الحق ( وذهب بعض الجهال إلى أنه « جسم » ) ثم اختلفوا : ( فالكرامية ) أي بعضهم ( قالوا : هو « جسم » أي : موجود ) . ( وقوم ) آخرون منهم ( قالوا : هو « جسم » أي : قائم بنفسه ، فلا نزاع معهم ) على التفسيرين ( إلا في التسمية ) أي إطلاق لفظ « الجسم » عليه ( 3 ) 4 - وقال ابن أبي الحديد : من قال : إنه « جسم لا كالأجسام » على معنى أنه بخلاف « العرض » الذي يستحيل أن يتوهم منه فعل ونفوا عنه « معنى الجسمية » وإنما أطلقوا هذه اللفظة لمعنى أنه « شيء لا كالأشياء » و « ذات لا كالذوات » فأمرهم سهل ، لأن خلافهم في العبارة . والمتعصبون لهشام بن الحكم من الشيعة في وقتنا هذا يزعمون أنه لم يقل بالتجسيم المعنوي ، وإنما قال : إنه « جسم لا كالأجسام » بالمعنى الذي ذكرناه ( 4 ) وكلامه واضح في إن المقولة أطلق فيها اسم « الجسم » على البارئ على أنه بمعنى « شيء » لا بمعنى ذي الأبعاد ، حتى يكون تجسيما معنويا . لكن نسبة هذا التفسير للمقولة إلى خصوص الشيعة في وقته غير صحيح : لأن هذا التفسير قد نسب إلى تلامذة هشام من قدماء الشيعة ، وقد سبق أن قلنا : إن تلامذة الرجل لا يبعد أن يكونوا معبرين عن رأي أستاذهم ، وخاصة إذا لاحظنا اتفاقهم على ذلك . 2 - أن هذا التفسير لمقولة هشام مبتن على مصطلح هشام ، وقد مضى نقله عن جمع من العلماء الذين ذكروا آراء هشام ، فلا معنى لجعله قولا للشيعة في عصره فقط ! 5 - وقال الدواني - في شرحه على العقائد العضدية - : ومن المشبهة من تستر « بالبلكفة » فقال : هو « جسم لا كالأجسام » وله حيز لا كالأحياز ، ونسبته إلى حيزة ليست كنسبة الأجسام إلى حيزها ، وهكذا ينفي جميع خواص الجسم منه ، حتى لا يبقى إلا اسم « الجسم » . وهؤلاء لا يكفرون ( 5 ) أقول : فقد صرح في النهاية بان المراد من « الجسم » هو مجرد الاسم ، لا المعنى ، وصرح بعدم كفر قائلي المقولة ، ولو كانت دالة على التجسيم المعنوي ، لكانوا كفرة بلا خلاف . لكنه قد أدخل في كلامه ما لا يطابق هذا التصريح : 1 - قوله : « وله حيز لا كالأحياز ، ونسبته إلى حيزة ليست كنسبة الأجسام إلى حيزها » . وهذه إضافة منه نسبها إلى أصحاب المقولة ، ولم نجدها مضافة إلى المقولة في شيء من مصادرها مطلقا ، وهي غلط تنافي تفسيرهم للمقولة ، وذلك : لأن مرادهم بالجسم - كما صرح به الدواني أخيرا - هو مجرد الاسم ، ومعناه - كما مر مفصلا - هو : الشيء ، وقد نفوا بقولهم « لا كالأجسام » كل خواص الجسم - كما اعترف به الدواني أيضا - فما معنى قوله « وله حيز » ومن أين نسب إليهم إثبات الحيز ، إن كانوا قد نفوا عنه كل خواص الأجسام ؟ أليس الحيز من خواصها المنفية ؟ فلو كان يقول - نقلا عنهم - : إنه « جسم لا كالأجسام » ليس له حيز ولا أبعاد وهكذا ينفي جميع خواص الأجسام حتى لا يبقى إلا مجرد اسم « الجسم » لكان تفسيرا جيدا للمقولة حسب تفسيرهم . والحاصل أن قوله : « وله حيز . . . » يناقض تصريحه بكون المقولة تجسيما لفظيا وعدم كفر قائليها . 2 - قوله : « من تستر بالبلكفة » .
--> ( 1 ) أوائل المقالات : 43 ، طبع النجف ، وص 37 ، طبع تبريز . ( 2 ) الشافي - للشريف المرتضى - : 12 . ( 3 ) شرح المواقف - للسيد الشريف - : 473 ، وما بين الأقواس هو عبارة المواقف . ( 4 ) شرح نهج البلاغة 3 / 228 . ( 5 ) الشيخ محمد عبده : 532 .